سيد محمد طنطاوي
169
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله « من نعمة » بيان لما اشتملت عليه « ما » من إبهام . وقوله - سبحانه - * ( ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْه تَجْئَرُونَ . ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ ، إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) * بيان لطبيعة الإنسان ، ولموقفه من خالقه - عز وجل - والضر : يشمل المرض والبلاء والفقر وكل ما يتضرر منه الإنسان . وقوله « تجأرون » من الجؤار بمعنى - رفع الصوت بالاستغاثة وطلب العون ، يقال : جأر فلان يجأر جأرا وجؤارا ، إذا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث وأصله : صياح الوحش . ثم استعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة . أي : كل ما يصاحبكم من نعمة فهو من اللَّه - تعالى - فكان من الواجب عليكم أن تشكروه على ذلك ، ولكنكم لم تفعلوا ، فإنكم إذا نزل بكم الضر ، صحتم بالدعاء ، ورفعتم أصواتكم بالتضرع ، ليكشف عنكم ما حل بكم ، فإذا ما كشف - سبحانه - عنكم الضر ، سرعان ما يقع فريق منكم في الشرك الذي نهى اللَّه - تعالى - عنه . و « ثم » في هاتين الآيتين للتراخي الرتبى ، لبيان الفرق الشاسع بين حالتهم الأولى وحالتهم الثانية . والتعبير بالمس في قوله « ثم إذا مسكم الضر . . » للإيماء بأنهم بمجرد أن ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا ، جأروا إلى اللَّه - تعالى - بالدعاء لكشفه . وقدم - سبحانه - الجار والمجرور في قوله « فإليه تجأرون » لإفادة القصر ، أي إليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل بكم من بلاء ، لا إلى غيره لأنكم تعلمون أنه لا كاشف للضر إلا هو - سبحانه - . و « إذا » الأولى في قوله « ثم إذا كشف . . » شرطية والثانية وهي قوله « إذا فريق منكم . . » فجائية ، وهي جواب الأولى . وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس ، إلى جحود نعم اللَّه - تعالى - بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل . وقال - سبحانه - * ( فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) * لتسجيل الشرك على هذا الفريق ولإنصاف غيره من المؤمنين الصادقين ، الذين يشكرون اللَّه - تعالى - في جميع الأحوال ، ويواظبون على أداء ما كلفهم به في السراء والضراء . وهذا المعنى الذي تضمنته هاتان الآيتان ، قد جاء ما يشبهه في آيات كثيرة منها